محمد غازي عرابي
691
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
الخبيثة كانت في الجسد الخبيث أخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج ، فلا يزال يقال لها حتى تخرج ينتهي بها إلى السماء فيقال من هذا ؟ فيقال فلان ابن فلان ، فيقال لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث إرجعي ذميمة فإنه لا تفتح لك أبواب السماء فترسل إلى الأرض ثم تصير إلى القبر . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 20 ] وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً ( 20 ) [ الفرقان : 20 ] الفتنة صراع الأسماء بعضها بعضا ، ولا حياة لها إلا بالصراع ، ولهذا قيل يبتلى الغني بالفقير ليميز الكريم من البخيل ، ويبتلى المعافى بالمريض ليميز الشاكر من الكفور ، ويبتلى الحليم بالمغضوب ليميز الكاظم الغيظ من عبد الغضب ، فالفتنة أساس حركة الصفات والعالم ، ولهذا أقامت الفلاسفة الموحدون الألمان صروح فلسفتهم على أساس الموضوع ونقيض الموضوع كشفا للصفة وإتيانا بالجديد . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 21 ] وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً ( 21 ) [ الفرقان : 21 ] الملائكة لا ينزلون ، إذ الملائكة يمثلون الشفافية ، وقلنا الملائكة المعقولات ، فكيف ينزل المعقول وهو نور ، وما خلق اللّه العالم الخارجي إلا ليكون مطية للنور وأداة ؟ أما رؤية الرب فهي مسألة تلحق بإنزال الملائكة ، فمعلوم أن الربوبية هي الوجود الكامل أي الحق والخلق جميعا ، ولهذا قلنا إن الربوبية تقتضي المربوبية ، أي يقتضي وجود الحق وجود الخلق ، كما تقتضي الوحدة الكثرة فالربوبية وحدة باطنها اللّه وظاهرها عالم العيان ، فإذا كان اللّه باطن العالم فكيف يرى عيانا ؟ والكافرون إذ يطالبون برؤية اللّه فإنهم يطلبون رؤية صورة محددة هي الصورة الإلهية . . . لكن الصورة الإلهية لا يحدها إطار صورة معنية بل هي صورة جامعة وهي باطن الصور جمعاء ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( رأيت ربي في صورة شاب أمرد ) ، فالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما رأى الرب صورة بل رآه في صورة ، ولهذا قال ابن سينا : في كل متعين متعين ومطلق غير متعين . . أي في كل صورة ، ومنها صورة الشاب الأمرد جزء هو التعين وهو صورة الشاب ، وجزء آخر هو المطلق الذي ظهر بالتعين ولكنه ليس التعين ، أي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رأى ربه ظاهرا في صورة الشاب ، ولكن الشاب ليس هو الرب ، ولهذا أوردنا سابقا قول عباس محمود العقاد في المسيح عليه السّلام : يمكن أن يكون اللّه قد ظهر بصورة جميلة وهذا لا يستلزم الكفر ، وقال ابن عربي في الحق والخلق :